الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

108

مناهل العرفان في علوم القرآن

غيرها . وتارة لا يصرّح بلفظ السبب ولكن يؤتى بفاء داخلة على مادّة نزول الآية عقب سرد حادثة ، وهذه العبارة مثل تلك في الدلالة على السببية أيضا . ومثاله رواية جابر الآتية قريبا ومرة يسأل الرسول ، فيوحى إليه ويجيب بما نزل عليه ولا يكون تعبير بلفظ سبب النزول ، ولا تعبير بتلك الفاء ، ولكن السببية تفهم قطعا من المقام ، كرواية ابن مسعود الآتية عندما سئل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن الروح . وحكم هذه أيضا حكم ما هو نصّ في السببية . ومرة أخرى لا يصرّح بلفظ السبب ولا يؤتى بتلك الفاء ، ولا بذلك الجواب المبنى على السؤال ، بل يقال : نزلت هذه الآية في كذا ( مثلا ) . وهذه العبارة ليست نصّا في السببية ، بل تحتملها وتحتمل أمرا آخر ، هو بيان ما تضمّنته الآية من الأحكام . والقرائن وحدها هي التي تعيّن أحد هذين الاحتمالين أو ترجّحه . ومن هنا نعلم أنه إذا وردت عبارتان في موضوع واحد : إحداهما نصّ في السببية لنزول آية أو آيات ، والثانية ليست نصا في السببية لنزول تلك الآية أو الآيات هنالك نأخذ في السببية بما هو نصّ ، ونحمل الأخرى على أنها بيان لمدلول الآية ، لأن النص أقوى في الدلالة من المحتمل . مثال ذلك : ما أخرجه مسلم عن جابر قال : كانت اليهود تقول « من اتى امرأة من دبرها ( في قبلها ) جاء الولد أحول » ، فأنزل اللّه : « نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ، وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ، وَاتَّقُوا اللَّهَ ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ ، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ » من سورة البقرة . . . وما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال : ( أنزلت « نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ » في إتيان النساء في أدبارهنّ ) . فالمعول عليه في بيان السبب هي رواية جابر الأولى ، لأنها صريحة في الدلالة على السبب وأما رواية ابن عمر فتحمل على أنها بيان لحكم إتيان النساء في أدبارهن وهو التحريم . استنباطا منه .